السيد كمال الحيدري
313
دروس في التوحيد
حاصل هذه الرؤية أنّ أيّ وجود في نفسه هو خير محض لا وجود للشرّ فيه ، أو هو بحسب التعبير القرآني موجود على أحسن وجه وأتقنه ، كما يدلّ عليه قوله سبحانه : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ ( السجدة : 7 ) وقوله : صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ( النمل : 88 ) . ولكن عندما تدخل هذه الموجودات في دائرة التضادّ والتزاحم ، يبرز الشرّ الذي يتمثّل بكون بعض الموجودات مانعاً لوجود آخر من أن يصل إلى كماله ، أو أنّه يعدم أصل وجود الآخر . هذه النتيجة هي التي عبّرت عنها اللغة الفلسفية بأنّ الشرّ ليس أمراً نفسيّاً بل هو أمر نسبيّ أو قياسيّ . فعند قياس شيء إلى شيء آخر ، ينتج الأمر العدمي ، وما دام عدميّاً فهو لا يحتاج إلى علّة . وهذا هو معنى ما ذهب إليه الفلاسفة والحكماء من أنّ الشرور أعدام بالذات لا أنّها أمور وجوديّة بالذات ، فليس للشرّ مصداق بالذات ، بل إذا كان له مصداق فهو مصداق بالعرض . وحين يكون الشرّ أمراً عدميّاً وليس بوجوديّ ، فمن الطبيعي أنّه لا يحتاج إلى العلّة ؛ لأنّ العدم لا يحتاج إلى علّة . يترتّب على الرؤية ذاتها أنّ الشرّ ليس مجعولًا بالذات وإنّما هو مجعول بالعرض . فالله سبحانه جعل " هذا الوجود " وجعل " ذاك الوجود " ، وجعل في هذا وذاك نظاماً يتزاحم فيه هذا الوجود وذاك ، وبالتزاحم يحصل الشرّ ، إذن فالشرّ مجعول بالعرض لا بالذات . وهذا معنى قول الحكماء : " أنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالقصد الثاني ، وإن شئت قلت بالعرض ، نظراً إلى أنّ الشرور أعدام لا يتعلّق بها قصد بالذات " « 1 » .
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 313 .